العلاج بالدراما: مقاربة نفسية وقانونية لدعم التوازن السلوكي لدى الطفل
لم يعد العلاج بالدراما (Drama Therapy) يُنظر إليه بوصفه نشاطاً فنياً ترفيهياً فحسب، بل باعتباره أداة تدخل نفسي متخصصة قد تُسهم في دعم إعادة تشكيل الأنماط السلوكية والانفعالية لدى الأطفال. ومن هذا المنطلق، يعتمد الاتحاد الدولي للدفاع عن حقوق الطفل (IFCRD) مقاربة تدمج بين البعد العلاجي والمسؤولية القانونية تجاه الطفل، بما يضمن أن تبقى الممارسة قائمة على الحماية والاعتبارات المهنية السليمة.
أولاً: الأسس النفسية وآليات التأثير العلاجي
يقوم العلاج بالدراما على توفير مساحة آمنة تسمح للطفل بالتعبير عن تجاربه ومشاعره بصورة غير مباشرة، عبر تقمص الأدوار والتمثيل الرمزي. وتعتمد هذه العملية على مبدأ “المسافة الجمالية” (Aesthetic Distance)، الذي يتيح للطفل الاقتراب من مشاعره المؤلمة دون إعادة استغراقه الكامل في التجربة الصادمة، وفقاً للمبادئ المهنية المعتمدة لدى اتحاد العلاج بالدراما في أمريكا الشمالية (NADTA).
🔹التفريغ الانفعالي (Catharsis):
يساعد الأداء الدرامي الطفل على التعبير عن المشاعر المكبوتة ضمن إطار آمن ومنظم، مما قد يخفف من حدة التوتر والسلوكيات الاندفاعية، ويحوّل الانفعال إلى تجربة قابلة للفهم والمعالجة.
🔹إعادة بناء الهوية النفسية:
من خلال تقمص شخصيات متعددة، يختبر الطفل أنماطاً جديدة من التعبير عن الذات، الأمر الذي قد يعزز ثقته بنفسه ويساعده في التخفيف من الآثار النفسية المرتبطة بالبيئات الضاغطة أو التجارب المؤلمة.
🔹تنمية المهارات الاجتماعية:
يوفر العلاج بالدراما بيئة تفاعلية يتعلم فيها الطفل مهارات التواصل والتعاون والتعاطف، إضافة إلى ممارسة أساليب أكثر سلمية في حل النزاعات والتعبير عن الاحتياجات.
ثانياً: المسؤولية القانونية وحماية الطفل
لا يمكن فصل أي تدخل علاجي موجه للأطفال عن الإطار القانوني الذي يحكم حقوقهم وسلامتهم النفسية. ووفقاً لاتفاقية حقوق الطفل (CRC, 1989)، تتحمل المؤسسات مسؤولية توفير بيئات آمنة تحمي الطفل من الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة النفسية، حتى وإن تمت تحت غطاء الأنشطة العلاجية أو الفنية.
وتشمل هذه المسؤولية عدداً من الالتزامات الأساسية:
1. الموافقة المستنيرة:
يراعى الحصول على موافقة خطية من ولي الأمر وفقاً للمتطلبات القانونية والتنظيمية المعمول بها ،قبل إشراك الطفل في أي برنامج علاجي درامي، مع ضرورة توضيح طبيعة الجلسات وأهدافها وآليات تنفيذها.
2. حماية الخصوصية:
تلتزم المؤسسات بالحفاظ على سرية الجلسات والبيانات النفسية الخاصة بالأطفال، وعدم استخدام المحتوى العلاجي أو تداوله خارج الإطار المهني المخصص له.
3. الكفاءة المهنية ومنع الضرر:
قد تترتب مسؤولية مهنية أو قانونية عند ثبوت الإهمال أو سوء إدارة التدخل العلاجي، خصوصاً في حال غياب الإشراف المتخصص أو التعامل غير المهني مع الحالات النفسية الحساسة. ولذلك، يصبح تدريب الكوادر وتأهيلها شرطاً أساسياً لضمان سلامة الطفل.
ثالثاً: نحو ممارسة علاجية مستدامة
إن نجاح العلاج بالدراما لا يتحقق بحرية التعبير وحدها، بل بقدرة المؤسسات على خلق توازن دقيق بين الإبداع والحماية النفسية والقانونية.
وتتطلب هذه الممارسة:
🔹 المتابعة والتوثيق:
رصد التطور السلوكي والانفعالي للأطفال من خلال تقارير دورية تضمن التقييم المستمر وشفافية الأداء المهني.
🔹توفير بيئة آمنة:
تهيئة مساحة نفسية ومادية تحترم كرامة الطفل، وتحميه من التنمر أو الضغط أو الاستغلال أثناء عملية التعبير الدرامي.
💫الخلاصة
إن توظيف الفن داخل المسارات العلاجية يمثل استثماراً مهماً في دعم النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، لكنه يظل مرتبطاً بمدى الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية التي تصون حقوق الطفل في جميع مراحل التدخل.
ويؤكد الاتحاد الدولي للدفاع عن حقوق الطفل (IFCRD) أن العلاج بالدراما ليس تفريغاً عشوائياً للمشاعر، بل ممارسة متخصصة تستند إلى أسس علمية ومهنية، تُوظَّف لحماية الطفل ودعم توازنه النفسي وتعزيز قدرته على التعبير الآمن عن ذاته.
📚المراجع:
•اتفاقية حقوق الطفل (Convention on the Rights of the Child [CRC], 1989).
•اتحاد العلاج بالدراما في أمريكا الشمالية، مدونة الأخلاقيات والسلوك المهني
(North American Drama Therapy Association [NADTA], Code of Ethics and Professional Conduct).


