الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة: من “الإحسان” إلى “الالتزام القانوني”
لطالما نُظر إلى حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عبر التاريخ من منظور “رعائي” أو “خيري”، حيث كانت المساعدات تُقدم كنوع من العطف الذي تجود به المجتمعات. لكن هذا المشهد تغير جذرياً مع صدور الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) لعام 2006، والتي نقلت الملف من أروقة الجمعيات الخيرية إلى صدارة القوانين الدولية الملزمة.
في الاتحاد (الاتحاد الدولي للدفاع عن حقوق الطفل)، نؤمن أن التمكين يبدأ من الاعتراف بالحق لا الامتنان بالخدمة.
1. التحول الفلسفي: من النموذج الطبي إلى النموذج الاجتماعي
قبل عام 2006، كان التركيز ينصب على “إصلاح” الشخص المعاق طبياً. أما الاتفاقية فقد تبنت النموذج الاجتماعي، الذي ينص على أن “الإعاقة” ليست في الفرد نفسه، بل في الحواجز البيئية والسلوكية التي تمنع مشاركته الكاملة في المجتمع. إن الإعاقة هي نتاج التفاعل بين قصور الفرد والعوائق التي تضعها الدولة أو المجتمع، وبالتالي فإن الدولة ملزمة قانوناً بإزالة هذه العوائق، وليس فقط تقديم العلاج الطبي.
2. الركائز القانونية للاتفاقية (CRPD)
تعتبر الاتفاقية صكاً قانونياً شاملاً يفرض على الدول الموقعة التزامات صارمة، أهمها:
* عدم التمييز: حظر أي استبعاد أو تقييد على أساس الإعاقة (المادة 5).
* الترتيبات التيسيرية المعقولة: التزام الجهات بتعديل البيئة المحيطة لتناسب احتياجات الفرد (مثل توفير لغة الإشارة أو ممرات الكراسي المتحركة).
* الحق في الحياة المستقلة: ضمان دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بدلاً من عزلهم في مؤسسات خاصة.
3. حقوق الطفل ذوي الإعاقة: الأولوية القصوى
تخصص المادة (7) من الاتفاقية بنوداً صريحة للأطفال، وهو ما نركز عليه في الاتحاد:
* ضمان تمتع الأطفال بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية على قدم المساواة مع غيرهم.
* اعتبار “المصلحة الفضلى للطفل” هي المعيار الأساسي في كافة الإجراءات.
* حق الطفل في التعبير عن آرائه بحرية في جميع المسائل التي تمسه، وتقديم المساعدة المناسبة لسنه وإعاقته لممارسة هذا الحق.
4. آليات الرقابة والمساءلة: ضمان عدم التراجع
ما يميز هذه الاتفاقية عن مجرد “الإعلانات الشرفية” هو وجود اللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD Committee). هذه اللجنة الدولية تراقب تنفيذ الدول لالتزاماتها من خلال تقارير دورية إجبارية. كما يتيح البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية للأفراد أو مجموعات الأفراد تقديم شكاوى مباشرة إلى اللجنة الدولية في حال انتهاك حقوقهم من قبل الدولة، بعد استنفاد سبل الانتصاف المحلية. هذا يحول الحقوق من نصوص ورقية إلى أدوات ضغط قانونية حقيقية بيد الأشخاص ذوي الإعاقة ومن يمثلهم.
5. التحديات الراهنة في عام 2026
رغم مرور عقدين تقريباً على الاتفاقية، لا تزال الفجوة قائمة بين النص القانوني والتطبيق الواقعي، خاصة في قضايا الوصول الرقمي وضمان أن تكون التكنولوجيا متاحة للجميع، بالإضافة إلى تحويل المدارس العادية إلى بيئات حاضنة لكل القدرات دون استثناء.
المراجع القانونية :
• الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة:
CRPD, G.A. Res. 61/106 (2006).
• التعليق العام رقم (6) بشأن المساواة وعدم التمييز:
CRPD/C/GC/6 (2018).
• البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة:
A/RES/61/106/Add.1 (2006).
